الخميس، 15 ديسمبر، 2016

Textual description of firstImageUrl

المولد النبوي الشريف بين المُبِيحِين والمُنكِرين - مع مناقشة لكلام الفريقين - ولماذا لا نهتم بوفاة النبي كما نهتم بميلاده ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

المولد النبوي الشريف
بين
المبيحين والمنكرين

( مع مناقشة لكلام الفريقين )

:: ولماذا لا نهتم بوفاة النبي كما نهتم بميلاده ؟ ::


* فهرس الموضوع :
1- مشروعية الإهتمام بالمولد النبوي ؟
2- ما هو المولد النبوي ؟
3- هذه مسألة خلافية بين العلماء ؟
4- المولد النبوي عند أهل الله ؟
5- المولد النبوي عند المنحرفين ؟
6- من أول من بدأ فعل المولد النبوي ؟
7- نماذج خسيسة في نقل العلم !!
8- علماء أنكروا .. وعلماء أباحوا ؟
9- مناقشة من أنكر المولد النبوي ؟
10- ابن تيمية يقول أنها بدعة .. فيها المحسن والمستقبح ؟
11- مناقشة لما قاله بن تيمية - تعليق على ما قاله بن تيمية رحمه الله ؟
12- رد الإمام السيوطي على من أنكر المولد النبوي ؟
13- من أقوال المبيحين للمولد النبوي ؟
14- من فتاوى العلماء المتقدمين - الحافظ السيوطي والحافظ بن حجر ؟
15- ما الذي قاله الحافظ بن رجب الحنبلي رحمه الله ؟
16- من فتاوى المعاصرين - الشيخ عطية صقر رحمه الله ؟
17- مشروعية المولد النبوي ؟
18- هل صيام يوم المولد النبوي له فضيلة ؟
19- أيهما أفضل المولد النبوي أم ليلة القدر ؟
20- مناقشة وتعليق على الدليل الخاص برؤيا العباس لأبو لهب ؟
21- الأسباب التي جعلتني مع المبيحين للمولد النبوي ؟
22- الأسباب التي جعلتني اتفق مع المبيحين للمولد النبوي ؟
23- هل يجوز الإهتمام بوفاة النبي ؟
24- ولماذا لا نهتم بكلِّيَة النبي ؟
25- مناقشة رد الإمام السيوطي على الفاكهاني ؟
26- لماذا يوم ربيع الأول ؟
27- خاتمة البحث ؟
***************************

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. في استقبال مولد النبي صلى الله عليه وسلم .. أريد أن أشارككم هذا العام المولد النبوي الشريف .. الذي أرسله رب العزة هاديا ومبشرا ونذيرا .. ورحمة للعالمين وسراجا منيرا ..


* وكنت أحب أن أقتصر الموضوع على صلوات لبعض العارفين .. ولكن للأسف وجدت على النت من ناحية طائفة متمسلفة أنهم يحتقرون المسلمين الذين يحتفلون ويهتمون بالمولد النبوي .. وكأنهم ليسوا مسلمين ..!!
ووجدت أيضا ناحية طائفة متمصوفة الذين بالغوا في الأمر حتى جعلوه عيدا ..!!


* فقمت بعتديل الموضوع .. والرغبة في المشاركة في قضية خلافية المنشأ .. وقد اختلط فيها الحق بالباطل .. حتى وصل الأمر بالمتمسلفين أن يتجرأوا ويتهموا أكابر علماء الأمة بالإشارة إليهم أنهم أهل بدعة و أهل ضلالة وأهل النار .. بل ومنهم من أشار بأن المحتفل بالمولد النبوي والمجيز له يكون شيعي رافضي ..!! ومَن هؤلاء العلماء الذين يشيرون إليهم بأنهم أهل بدعة وضلالة ومتبعي الشيعة الرافضية ؟!
يشيرون بذلك إلى علماء مثل الحافظ بن حجر العسقلاني والحافظ بن حجر الهيثمي والحافظ بن كثير وإمام القراء بن الجزري والحافظ السيوطي وغيرهم كثيرين .. فهؤلاء الأعلام أصبحوا أهل ضلالة وأهل النار .. لأنهم أهل البدعة المنكرة .. ؟!!

* فلما رأيت ما سبق .. فأحببت أن أضع لكم بحثا وافي شامل .. حتى يتبين الحق من الباطل .. ثم ختمت برأيي الخاص في المسألة .. وقد اتفق مع المبيحين وقد اختلف معهم .. وقد اتفق مع المنكرين وقد اختلف معهم .. ثم وضعت أمرا خاصا بي بتحقيق الإهتمام بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .. مخالفا بذلك قول الإمام السيوطي رحمه الله .. كما اختلفت مع الإمام بن تيمية في إنكاره .. رحم الله الجميع ..


* وقد قسمت هذه الرسالة إلى سبعة أقسام :
القسم الأول :
ماهية الإهتمام أو الإحتفال بالمولد النبوي ؟
القسم الثاني :
مشروعية المولد النبوي ؟
القسم الثالث :
أدلة المنكرين ومناقشة الإمام بن تيمية في كلامه ؟
القسم الرابع :
أدلة المبيحين ومناقشة لبعض أدلتهم ؟
القسم الخامس :
مناقشة بعض أدلة المبيحين ؟
القسم السادس :
أسباب إباحة المولد النبوي ( رأي صاحب الرسالة )
القسم السابع :
مناقشة الإمام السيوطي في عدم الإهتمام بوفاة الرسول


نبدأ بسم الله
توكلت على الله ..


**********************************


..:: توضيح لابد منه ::..


وعن شخصي " كاتب الموضوع " : فلا أنظر له كونه احتفال بالمولد النبوي .. ولكن أنظر إليه بكونه " اهتمام بالمولد النبوي " .. وستعرف لماذا اختار لفظ "اهتمام بدلا من احتفال" .. خاصة في القسم السابع عند الكلام عن وفاة الرسول .. ولكن أذكر لك سببا هنا ..


* فلفظ احتفال قد يجعل العقل يتفكر كيف يبتكر من مظاهر البهجة حتى الأمر وصل إلى مراحل سيئة في الغالب كما هو المشاهد حاليا إلا من حفظه ربي عن ذلك ..
ولكن لو توقف الأمر عند لفظ الإهتمام .. وأن هذا الإهتمام يكون بمعرفة كُل ما يتعلق بالنبي واتباع سنته في هذا اليوم ولو ليوم واحد فقط .. لكان خيرا كثيرا .. ولهذا أشار بن تيمية رحمه الله بالفعل المستحسن من البعض ..


* وقد يتسائل البعض : هل اللفظ هو الذي سيغير شيئا ؟
فأقول له : أن الألفاظ هي إرشاد للعقل للفهم الصحيح .. وبقدر فهم العقل للأمور .. بقدر ما ستتضح الأمور وسيُحسن الإنسان العمل ولن يتخبط فيه ..!!
فبقدر الفهم الصحيح سيكون العمل الصحيح ..  


* ولكن جرى العرف على تسميته بالإحتفال .. لأنه لا يقتصر فقط على الطاعات الدينية مثل الصدقات أو كثرة الصلاة على النبي .. وإنما يدخل فيه مظاهر من البهجة النفسية مثل توزيع الحلويات والإنشاد الديني والنزول للتنزهات .. " بل وقد يصل الأمر ببعض المنحرفين بإدخال موبقات كما نرى حاليا " .


* ولو وجدتني ذكرت كلمة احتفال في الموضوع فهو من باب التوسع في الكلام أو لغلبة هذا المسمى في هذا العصر .. ولكن مقصدي من المولد هو الإهتمام بالنبي ..

*****************************
(1)
:: القسم الأول ::
..:: ماهية الإحتفال والإهتمام بالمولد النبوي ؟ ::..
*********************

..:: تمهيد ::..


قبل أن نذكر كلام العلماء في هذا الأمر أحب أن أوضح لكم ثلاثة أمور :
1- أن الإحتفال والإهتمام بالمولد النبوي .. ليس عيدا على الإطلاق ولم يقل بذلك احد من علماء المسلمين .. ومن يقل بذلك في كلامه فهو على سبيل المجاز .. ولكنه ليس عيدا أقرته الشريعة بوجوب الإحتفال به مثل عيد الأضحى وعيد الفطر .

2- اتفق جميع علماء المسلمين ( سواء من أجاز ومن أنكر المولد النبوي ) .. على أنه بدعة دينية .. ولكن من أباح قال أنها بدعة حسنة طالما يتم فيها العمل الصالح الذي هو مقصد الشريعة ..!!

3- هذه مسألة خلافية بين العلماء .. والقاعدة الفقهية تقول : (لا ينكر المختلف فيه ، وإنما ينكر المجمع عليه ) .. ولذلك لا ننكر على أحد أي مسلك هو سيسلكه .. سواء بالإحتفال بالمولد أو عدم الإحتفال به .. فلا إنكار على أحد ..
كما قال بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى: "الإنكار من المنكر إنما يكون فيما اجتمع عليه ، فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه ." المنثور في القواعد 2/140 ، وكما قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: " لا ينكر المختلف فيه ، وإنما ينكر المجمع عليهالأشباه والنظائر للسيوطي ص:158.
. إلا أن البعض يريد إكراه البعض الآخر على فكره هو ومذهبه هو .. وهذا لا ينبغي وما يكون .. يقول الموفق ابن قدامة المقدسي : ( لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه ؛ فإنه لا إنكار على المجتهدات ) كما في الآداب الشرعية ، لابن مفلح الحنبلي 1/186

* فإذا عرفت أن الاحتفال بالمولد النبوي ليس عيدا شرعيا .. وأنه بدعة دينية مستحدثة ...  وأنه مسألة خلافيه لا مجال للإنكار على أحد فيها ..
فتعال معي نبحث عن أقوال العلماء ولكن نبدأ بشرح مفهوم المولد النبوي ..


**********************************

..:: ما هو المولد النبوي ؟ ::..

هو الوقت الذي تم فيه مولد النبي صلى الله عليه وسلم .. وقد تم مولد النبي في دار أبي يوسف المقام عليها اليوم مكتبة عامة. في مكة المكرمة .. والذي يوافق على أغلب رأي أهل العلم .. 12 ربيع الأول سنة 570 من ميلاد السيد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ..

* المولد النبوي عند أهل الله :
هو الإحتفال من خلال الإهتمام بذكرى مولد النبي .. بقراءة السيرة النبوية وتوزيع الصدقات وتوزيع الحلوى على الأطفال ابتهاجا بمولد النبي .. وكأن هذا الحدث "مولد الرسول" يحدث الآن ..!!


# المولد النبوي في نظر المنحرفين :

* عند المتمصوفة هو في ظاهره الإحتفال أو الإهتمام بالمولد النبوي .. ولكن في حقيقته هو أن يأتوا في ناديهم المنكر والمعاصي "طبل ورقص وشرب حشيش ودخان .. مع السماح للإختلاط بين النساء والرجال بصورة مُوبِقة وقبيحة جدا !!.. وهؤلاء ليسوا بصوفية قطعا .!!


* وعند المتمسلفة : هو يمثل يوم احتقار لمَن يحتفلون بهذا اليوم .. لأنهم أهل بدعة .. وبالتالي فهم أهل النار .. وبالتالي وجب احتقارهم حتى لا يظنوا أن هناك من يجاريهم في بدعتهم .. !! وهؤلاء ليسوا بسلفيين قطعا ..!!


# نذكركم أن المقصود من كلمة متمصوف : هو المنحرف عن منهج التصوف الحق وينسب نفسه زورا للتصوف ، والمتمسلف : هو المنحرف عن منهج السلفية وينسب نفسه زورا للسلف الصالح ..!!


* فإذا علمت ما سبق من مفاهيم عند الناس .. فتعالى معي نتعرف على ما قاله أهل العلم في هذه المسألة ..!!

****************************

..:: من أول من بدأ فعل المولد النبوي ::..

.. في هيئة إحتفال رسمي وليس في صورة طاعة تعبدية فقط ..


* نحن نعلم أن أول من احتفل بمولد النبي هو النبي صلى الله عليه وسلم .. حينما سُئل عن صيام يوم الإثنين .. فقال هذا يوم ولدت فيه وبُعث فيه .. فكان سبب الصيام هو الإعتراف بفضل الله عليه بنعمة الإيجاد ونعمة الرسالة .. فكان اهتمام النبي بيوم مولده مقتصرا على صورة تعبدية .. لا غير .. وتابعه الصحابة وسلف الأمة في ذلك باتباع سنته بصيام يوم الأثنين لهذه العلة التي عرفوها من النبي صلى الله عليه وسلم .. وكذلك لأنه يوم تُرفع فيه الأعمال ..


* حتى جاءت الدولة الفاطمية .. فتوسعوا في الأمر في مظهر احتفالي .. وجعلوه يوم فرحه وبهجة ووزعوا فيه الحلوى والصدقات ..


* ثم ظل الأمر يتوسع شيئا فشيئا حتى أصابه نوع من الإنحراف ممن ينتسبون زورا للتصوف ويرتدون عباءته .. وفي الحقيقة هم لا علاقة لهم بالتصوف من قريب أو بعيد .. ويصنعون شادر كبير أو صوان كبير ويأتون فيه بأهل الطبل والزمر ويسمحون فيه بالموبقات من الرقص نساء ورجالا .. ويسمون ذلك "أحوال" .. وإنهم لكاذبون .. !!


# تعالوا نستعرض تاريخ نشأة الإحتفال بالمولد ..

* الدولة الفاطمية :
بحسب الاستاذ حسن السندوبي فإنّ الفاطميين هم أوّل من احتفل بذكرى المولد النبوي الشريف، كما احتفلوا بغيره من الموالد الدورية التي عُدت من مواسمها. وفي سنة 488 هـ (تحت خلافة المستعلي بالله) أمر الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي بإبطال الاحتفال بالموالد الأربعة وهي المولد النبوي ومولد الإمام علي ومولد السيدة فاطمة الزهراء ومولد الإمام الفاطمي الحاضر.
اريخ الاحتفال بالمولد النبوي من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول، حسن السندوبي، ص62-73، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ط1948 م.

* وقد وصف الدكتور عبد المنعم سلطان في كتابه عن الحياة الاجتماعية في العصر الفاطمي الاحتفالات آنذاك فقال: "اقتصر احتفال المولد النبوى في الدولة العبيدية (الفاطمية) بعمل الحلوى وتوزيعها وتوزيع الصدقات، أما الاحتفال الرسمى فكان يتمثل في موكب قاضى القضاة حيث تُحمل صوانى الحلوى، ويتجه الجميع إلى الجامع الأزهر، ثم إلى قصر الخليفة حيث تلقى الخطب، ثم يُدعى للخليفة، ويرجع الجميع إلى دورهم. أما الاحتفالات التى كانت تلقى معظم الإهتمام فكان للأعياد الشيعية"
تاريخ الاحتفال بمولد النبى صلى الله عليه وسلم ومظاهره حول العالم، محمد خالد ثابت ص28

* ثم جاءت الدولة الأيوبية :
كان أول من احتفل بالمولد النبوي بشكل منظم في عهد السلطان صلاح الدين، الملك مظفر الدين كوكبوري، إذ كان يحتفل به احتفالاً كبيرًا في كل سنة، وكان يصرف في الاحتفال الأموال الكثيرة، والخيرات الكبيرة، حتى بلغت ثلاثمئة ألف دينار، وذلك كل سنة. وكان يصل إليه من البلاد القريبة من أربيل مثل بغداد، والموصل عدد كبير من الفقهاء والصوفية والوعّاظ، والشعراء، ولا يزالون يتواصلوا من شهر محرم إلى أوائل ربيع الأول. وكان يعمل المولد سنة في 8 ربيع الأول، وسنة في 12 ربيع الأول، لسبب الاختلاف بتحديد يوم مولد النبي محمد.
فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيءًا كثيرًا وزفّها بالطبول والأناشيد، حتى يأتي بها إلى الميدان، ويشرعون في ذبحها، ويطبخونها. فإذا كانت صبيحة يوم المولد، يجتمع الناس والأعيان والرؤساء، ويُنصب كرسي للوعظ، ويجتمع الجنود ويعرضون في ذلك النهار. بعد ذلك تقام موائد الطعام، وتكون موائد عامة، فيه من الطعام والخبز شيء كثير.
تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول، حسن السندوبي، ص80-86، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ط1948 م.

* في الدولة العثمانية :
كان لسلاطين الخلافة العثمانية عناية بالغة بالاحتفال بجميع الأعياد والمناسبات المعروفة عند المسلمين، ومنها يوم المولد النبوي، إذ كانوا يحتفلون به في أحد الجوامع الكبيرة بحسب اختيار السلطان، فلمّا تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة قصر الاحتفال على الجامع الحميدي. فقد كان الاحتفال بالمولد في عهده متى كانت ليلة 12 ربيع الأول يحضر إلى باب الجامع عظماء الدولة وكبراؤها بأصنافهم، وجميعهم بالملابس الرسمية التشريفية، وعلى صدورهم الأوسمة، ثم يقفون في صفوف انتظارًا للسلطان.

* فإذا جاء السلطان ، خرج من قصره راكبًا جوادًا من خيرة الجياد ، بسرج من الذهب الخالص، وحوله موكب فخم، وقد رُفعت فيه الأعلام، ويسير هذا الموكب بين صفين من جنود الجيش العثماني وخلفهما جماهير الناس، ثم يدخلون الجامع ويبدأون بالاحتفال، فيبدؤوا بقراءة القرآن، وثم بقراءة قصة مولد النبي محمد، ثم بقراءة كتاب دلائل الخيرات في الصلاة على النبي، ثم ينتظم بعض المشايخ في حلقات الذكر، فينشد المنشدون وترتفع الأصوات بالصلاة على النبي. وفي صباح يوم 12 ربيع الأول، يفد كبار الدولة على اختلاف رتبهم لتهنئة السلطان.
تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول،حسن السندوبي، ص225-234، مطبعة الاستقامة،القاهرة،ط1948 م.


* وسبب رؤية مواكب بعض الطرق الصوفية في منطقة سيدنا الحسين .. وظهور شخص يركب الحصان المزخرف ويسير حوله الأتباع من محبي الطرق .. رمزا للإبتهاج بمولد النبي .. وما شابه ذلك .. هو امتداد لما كان يحدث في خلافة الدولة العثمانية ..!

*****************************

..:: نماذج خسيسة في نقل العلم !! ::..

:: ستجدون نماذج من ذلك على شبكة النت فقط ::


* قال المتمصوف : أن بن تيمية أباح المولد واستدل بما قاله بن تيميه نصا حيث قال : ( فتعظيم المولد ، واتخاذه موسمًا ، قد يفعله بعض الناس ، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده ، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس )
ولم يذكر ما قاله ابن تيمية سابقا ولا لاحقا .. حتى يظهر للناس وكأن ابن تيمية لم يقل أنها بدعة ..!!

* قال المتمسلف : وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه : ( أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة ) .
ولم يذكر ما قاله الحافظ بن حجر بعد ذلك حيث قال ( ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة ) .

* فهل هذه أخلاق تليق بإنسان مسلم .. أن يجتزأ كلام العلماء ليضلل المسلمين .. حتى ينتصر لرأيه في نهاية الأمر ..!! هذه تسمى خيانة أمانة وسيسألون عنها أمام الله ..!!

**********************************
(2)
:: القسم الثاني ::
..:: مشروعية المولد النبوي ؟ ::..
*****************

..:: علماء أنكروا .. وعلماء أباحوا ؟ ::..


1- ممَّن أنكر المولد من القدماء .. ابن تيمية ( أنكر جعل اليوم عيدا ولم ينكر الفعل فيه ) .. والشاطبي وتاج الدين الفاكهاني المالكي .
* وممَّن أنكر من المتأخرين : الشيخ بن باز وبن عثيمين والألباني .


2- وممَّن أباح ذلك من القدماء : السيوطي ، وبن الجوزي ، وبن حجر العسقلاني ، السخاوي ، وبن عابدين ، الحافظ العراقي ، الإمام الجزري صاحب القراءات ، وأبو شامة "شيخ النووي" ، الإمام القسطلاني .
* وممَّن أباح من المتأخرين الطاهر بن عاشور ، الشيخ محمد علوي المالكي ، الشيخ الشعراوي ، الشيخ علي جمعة ، الدكتور وهبه الزحيلي ، الشيخ محمد راتب النابلسي .. وغيرهم .



# ومن العجيب والمخزي .. أن تجد متمسلف خسيس النفس .. يستبيح أعلام الأمة الإسلامية .. ويشير لهؤلاء المشايخ الذين أباحوا المولد .. أنهم أهل الضلالة وأهل النار .. وأتباع للشيعة الرافضة !!
فإذا كان هؤلاء أهل الضلالة وأهل النار .. فمن أهل الحق وأهل الجنة وأهل السنة والجماعة ..؟!!


# وإليك قائمة بحفاظ الأئمة الذين كتبوا كتبا في الإحتفال بالمولد النبوي :
فقد ذكر الشيخ محمد علوي المالكي عددًا من العلماء ممن ألفوا في المولد النبوي كتبًا ، منهم :
* الحافظ عبد الرحيم العراقي : توفي 808 هـ، له مولد باسم "المورد الهني في المولد السني".
* الحافظ ابن كثير: توفي 774 هـ، وله مولد طبع بتحقيق صلاح الدين المنجد.
* الحافظ السخاوي: توفي 902 هـ، وله مولد باسم "الفخر العلوي في المولد النبوي".
* الحافظ ابن الجوزي: توفي 597 هـ، وله مولد باسم "العروس"، وقد طبع في مصر.
* الحافظ أبو الخطاب عمر بن علي بن محمد المعروف بابن دحية الكلبي: توفي 633 هـ، وله مولد باسم "التنوير في مولد البشير النذير".
* شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي: توفي 842 هـ، وله مولد باسم "المورد الصاوي في مولد الهادي" وكذلك "جامع الآثار في مولد المختار" و"اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق".
* ملا علي قاري: توفي 1014 هـ، وله مولد باسم "المورد الروي في المولد النبوي" وهو مطبوع.[60]
* الحافظ شمس الدين ابن الجزري: توفي 660 هـ، إمام القراء، وله مولد باسم "عرف التعريف بالمولد الشريف".
* علي زين العابدين السمهودي: توفي 911 هـ، وله مولد اسمه "الموارد الهنية في مولد خير البرية".
* الحافظ محمد الشيباني المعروف بابن الديبع: توفي 944 هـ.
* ابن حجر الهيتمي : توفي 974 هـ، وله مولد باسم "إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم".
 كتاب حول الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، تأليف: محمد علوي المالكي، ص93-103.



* ويبقى السؤال : هل كل الحُفَّاظ والمشايخ الذين سبق ذكرهم هم أهل الضلالة وأهل النار ؟!!
* اللهم بحق قدر هؤلاء الذين تم الطعن فيهم .. كافئهم بقدر كرمك وحبهم للنبي .. وأنزل قصاصك العادل على من اتهمهم بالباطل وقال فيهم أو أشار إليهم أو ألمح لهم .. أنهم أهل بدعة وضلالة وأهل النار ..!! بكرامة قول نبيك ( ومَن قال في مؤمن ما ليس فيه حَبَسَهُ الله في ردْغَة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال ) .. آمين .


********************************
(3)
:: القسم الثالث ::
..:: مناقشة المنكرين وتعليق على كلام الإمام بن تيمية ؟ ::..
*************************


..:: مناقشة من أنكر المولد النبوي ::..


وسنكتفي بما قال الإمام بن تيمية رحمه الله .. لأنه تقريبا قد جمع ما أنكر به المنكرون .. !!
وإن كنت أظن أن بن تيمية لم يشير إلى كونها بدعة مذمومة ولم ينفر منها أو يقبح فاعلها .. وهذا في حد ذاته إشارة إلى كون يراها بدعة حسنة .. وإن لم يقل بذلك .. ولكن شاهد كلامه يقل بذلك .. ولذلك المنكرون لا يستدلون بكلام بن تيمية .. !!
لأن بن تيمية نظر للمولد النبوي كونه عيد شرعيا يظنه البعض .. !! .. وهذا لم يقل به أحد من المسلمين ..
وإن كان اختصاص اليوم عنده بالعيد .. يسميه "بدعة" .. !! فهو لم يسيء لمن قام بتعظيم هذا اليوم بما يرضي الله .. بل استحسنه للبعض واستقبحه لمن له علم ..!!

* أما من اتهموا علمائنا بأنهم شيعة رافضة لأن الفاطميين احتفلوا به .. فهؤلاء ليسوا أهلا للرد عليهم لأن الجهل هو دينهم لا شيء آخر ..!! وعموما قد شرحت لكم أن أول من اهتم بالمولد النبوي كان النبي نفسه صلى الله عليه وسلم ..


* تعالوا نبحث فيما قاله الشيخ رحمه الله ..


***************************

..:: ابن تيمية يقول أنها بدعة .. فيها المحسِن والمستقبِح ::..

حينما تذهب إلى شبكة النت .. تجد رأي بن تيمية وكأنه تم إعدامه في هذه المسأله ..!! حتى المواقع التي تكاد تكون تنظر إليه نظرة المعصوم .. لم تذكر اسمه ولو بنصف كلمة .. !! علما بأن الإمام بن تيمية قال أنها بدعة ..!!

# تعالوا معي نرى ما قاله بن تيمية رحمه الله :


* يقول بن تيميه رحمه الله : ( وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة : مثل يوم بدر ، وحنين ، والخندق ، وفتح مكة ، ووقت هجرته ، ودخوله المدينة ، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين . ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا. وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعيادًا ، أو اليهود ، وإنما العيد شريعة ، فما شرعه الله اتبع . وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه .

* وكذلك ما يحدثه بعض الناس ، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام ، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا . والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ، لا على البدع- من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا.

* مع اختلاف الناس في مولده . فإن هذا لم يفعله السلف ، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا ، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص .

* وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره ، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا ، ونشر ما بعث به ، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.

* فإن هذه طريقة السابقين الأولين ، من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان. وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصًا على أمثال هذه البدع ، مع ما لهم من حسن القصد ، والاجتهاد الذين يرجى لهم بهما المثوبة ، تجدهم فاترين في أمر الرسول ، عما أمروا بالنشاط فيه ، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه ، أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من يزخرف المسجد ، ولا يصلي فيه ، أو يصلي فيه قليلًا ..... "

* ثم يقول : ( وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به. ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة . بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه ، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه كما يؤمر بعبادة الله سبحانه ، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل ، لا لتترك ، وإنما الترك مقصود لغيره ، فإن لم يشتغل بعمل صالح ، وإلا لم يترك العلم السيئ،  أو الناقص ، لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح ، نهيت عنه حفظًا للعمل الصالح .

* فتعظيم المولد ، واتخاذه موسمًا ، قد يفعله بعض الناس ، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده ، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ، ما يستقبح من المؤمن المسدد . ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار، أو نحو ذلك فقال : دعهم ، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب ، أو كما قال . مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة . وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخط . وليس مقصود أحمد هذا ، إنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة ، وفيه أيضًا مفسدة كره لأجلها . فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا ، وإلا اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه ، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور : من كتب الأسمار أو الأشعار، أو حكمة فارس والروم .)
اقتضاء الصراط المستقيم ج2 ص126

* ملخص ما سبق :

# ابن تيمية يرى البدعة في فعل المولد لأسباب :

1- كانت هناك أيام فخر مثل يوم بدر والهجرة .. ولم يحتفل بها النبي .

2- الإحتفالات بالحوادث هي من فعل النصارى واليهود .

3- العيد شريعة ، فما شرعه الله اتبع . وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه .

4- الإحتفال بالمولد .. إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام ، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا .
والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ، لا على البدع- من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا .

5- مع اختلاف الناس في مولده . فإن هذا لم يفعله السلف ، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا ، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص .

6- كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره ، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا ، ونشر ما بعث به ، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان .

*****************************

( تعليق صاحب الموضوع )

* مناقشة وتعليق على ما قاله بن تيمية رحمه الله *

1- قال رحمه الله في أيام بدر وحنين والهجرة وما شابه ذلك أن النبي : ( لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا ) .. وكلام الإمام صحيح .. لأن النبي إن قال هو يوم عيد .. فقد أصبح شرعا نتعبد به إلى الله .. ولكن المولد النبوي ليس عيدا وليس شرعا نتعبد به إلى الله ..!!
مع التحفظ على أنه يجوز إطلاق لفظ العيد على ما هو ليس بعيد من باب المجاز .. !!

* فهناك أيام في ديننا وصفها النبي بلفظ العيد وليست بعيد .. مثل يوم الجمعة ( إنَّ يومَ الجمعةِ يومُ عيدٍ فلا تجعلوا يومَ عيدِكُم يومَ صيامِكُم إلَّا أن تصوموا قبلَهُ أو بعدَهُ ) ، ( إنَّ هذا يومُ عيدٍ جعلَهُ اللَّهُ للمسلمينَ فَمن جاءَ الجمعةِ فليغتسل وإن كانَ عنده طيبٌ فليمَسَّ منهُ وعليكم بالسِّواكِ ) .. ومن المعلوم أن لفظ العيد ليس المقصود به عيدا شرعيا لأن العيد ليس فيه صوم .. مثل يوم الجمعة ممكن صيامه مع يوم قبله أو يوم بعده .. ولكن يوم الأضحى والفطر فلا يصح ذلك .. !!

* ومن المعلوم أن العيد عن المسلمين هو الفطر والأضحى كما جاء في الحديث : ( قدِم رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم المدينةَ ولهم يومانِ يلعبون فيهما فقال ما هذانِ اليومانِ قالوا كنا نلعبُ فيهما في الجاهليَّةِ فقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إنَّ اللهَ قد أبدلكم بِهِما خيرًا مِنهما يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ ) .. فلا عيد غيرهما عند المسلمين ..
* وتسمية يوم الجمعة بالعيد من باب المجاز .. لأنه يعود بالخير الكثير على المسلم في ذلك اليوم لما فيه من فضائل .. ولو لم يكن فيه من الفضائل سوى الحثُّ على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .. لكان هذا يكفي يوم الجمعة فخرا بذلك الشرف ..!! وفي الحديث :( إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ - يَعْنِي - بَلِيتَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» ) .

2- وقال رحمه الله : ( وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعيادًا ، أو اليهود ) .. وكأنه رحمه الله أوقف الإحتفال بالحوادث على فعل النصارى و اليهود ..!! فلعل هذا كان من شريعتهم وليس بدعة منهم في دينهم .. فما وجه الإتهام ؟!! .. ودليل ذلك ما جاء في الحديث : ( قَدِمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ ، فرأَى اليهودَ تصومُ يومَ عاشوراءَ ، فقال : ( ما هذا ) . قالوا : هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومَ نجَّى اللهُ بني إسرائيلَ من عدُوِّهم، فصامه موسى . قال : ( فأنا أحقُّ بموسى منكم ) . فصامه وأمَر بصيامِه . ) .. وفي رواية ( أنتم أحَقُّ بموسى منهم ، فصوموا ) .
فلو كان فعل اليهود أمرٌ منكر لأنكره النبي صلى الله عليه وسلم ..!!


* بل أن الحديث فيه دلالة على عبادة الصوم لله في الأيام التي أنعم الله بها على عباده من باب الشكر لله .. ولذلك قال النبي لصحابته ( أنتم أحَقُّ بموسى منهم ، فصوموا ) ..


* بل أن الأعياد في الدين الإسلامي لها حادثة وسبب .. ترتب عليها وجود عيد الأضحى وعيد الفطر .. !!


3- وقال رحمه الله : ( العيد شريعة ، فما شرعه الله اتبع . وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه ) ..
وكلامه حق رحمه الله .. فالعيد شريعة .. ومولد النبي بدعة دينية .. هذا كلام حق ولا نختلف عليه مع الإمام .. في أن المولد ليس عيدا .. ولكن اختلف مع الإمام في قوله : " من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا. " .. فهذا أمر لم يقل به أحد من العلماء ..!!


* وفرق كبير بين أن نقول احتفال بيوم كذا وبين أن نقول عيد كذا ..!! وإلا أصبح كل احتفال يحدث ما هو إلا عيدا .. ويصبح جميع من في الأرض من المسلمين أهل بدعة .. !!
ويصبح حينها أن الإحتفال بتكريم حَفَظَة القرآن الكريم .. !! هو عيد .. وبالتالي هو بدعة دينية لأنها احتفال بتكريم أهل الدين .. !! والاحتفال بفتح جامعة لتعليم الدين هي بدعة دينية ..!!
فهل هذا كلام يقول به أحد ..!!


* بل ويصبح كل مظاهر الاحتفال التي تتعلق بالدين ما هي إلا أعياد .. لا تجوز شرعا لأنها بدعة .. فهل هذا يعقل ..!!
ولكني أعتقد أن بن تيمية كان يقصد من كلامه .. على مَن يظن بأن المولد النبوي في حد ذاته عيدا .. جاهلا بذلك ..!!


4- أما قوله رحمه الله : " إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام  " ..
ونختلف مع الإمام في ذلك .. فلم يقل أحد من المسلمين بذلك ولم يضاهي أحد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بميلاد عيسى عليه السلام .. لأن النصارى ينظرون لعيسى كونه إلها أو بعض إله أو بن الإله .. !! .. ولا يوجد مسلم يظن ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم أبدا ..!! فلا وجه للمضاهاة ..
أما قوله رحمه الله : " وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا " .. فهذ أمر لا نختلف عليه مع الإمام رحمه الله ..


5- قوله رحمه الله " مع اختلاف الناس في مولده . فإن هذا لم يفعله السلف ...... " ..
وهو كلام حق ولا نختلف فيه مع الإمام رحمه الله .. ولكن هل كل ما لم يفعله السلف يصبح أمر منكر على الخلف ..؟! خاصة وأن المقاصد شريفة في ذاتها .. وبالتالي الوسائل تكن تبعا لها طالما الوسيلة ليس فيها أمر منكر شرعا بل له شواهد وأدلة شرعية ..!!


* وهل كل بدعة دينية حدثت بعد النبي تصبح أمر منكر .. مثل جمع المصحف والأذان مرتين يوم الجمعة وصلاة التراويح .. وإنشاء مدارس دينية والإحتفال بطلبة العلم وبحفظة القرآن .. وما شابه ذلك .. أليس كله بدع دينية ؟!! .. بل أن التصنيف في العلم الشرعي ما هو إلا بدعة دينية ؟!!


* فليس معنى أن الصحابة لم يفعلوا ذلك .. أن يكون هذا الأمر منكر .. لأن المنكر ما دل عليه الدليل .. وأتى النص بتحريمه .. فأين نص التحريم في ذلك !!
بل وهذا يدفعنا للقول بأن الصحابة رضوان الله عليهم قد فعلوا كل أمر مستحب ومباح هو كائن إلى يوم القيامة .. وهو أمر لا يقل به إنسان عاقل ..!!
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فعمِلَ بِها ، كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها ، لا يَنقُصُ مِن أجورِهِم شيئًا ومن سنَّ سنَّةً سيِّئةً فعملَ بِها ، كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها من بعده لا ينقصُ من أوزارِهِم شيئًا ) ..
فسيظل فعل السنة الحسنة في أمته صلى الله عليه وسلم .. ليس مقتصرا على أحد ولا على زمن دون زمن .. ففي الحديث ( أمَّتي كالمطرِ ، لا يُدرَى الخيرُ في أوَّلهِ أمْ في آخرِهِ  )


* وإذا كان الصحابة لم يجهروا بالمولد ولكنهم احتفلوا به واهتموا به باتباع النبي .. فرسول الله فعلها كما جاء في صحيح مسلم .. حينما سأله أعرابي عن صوم يوم الأثنين : ( وسُئلَ عن صومِ الاثنَينِ ؟ قال " ذاك يومٌ وُلدتُ فيه . ويومُ بُعثتُ ( أو أُنزلَ عليَّ فيه ) ..

* وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يصومون الأثنين والخميس .. وكانوا يعلمون أن سبب صوم النبي هو شكر الله لنعمة الإيجاد (المولد) ونعمة الرسالة ؟!!
فمن الذي قال بأن الصحابة لم تتبع النبي في فعله .. أم أن الصحابة كانوا يجهلون هذا ؟!!
فاتباع الصحابة للنبي مع علمهم بسبب هذا الإتباع .. هو في حد ذاته مشاركة في الإحتفال والإهتمام بالمولد النبوي وإن لم يطلقوا عليه مسمى المولد النبوي .. لأنهم كانوا يعلمون أن صيام يوم الأثنين ما سببه .. كما كانوا يعلمون سبب صيام يوم عاشوراء ..!!


* يقول تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) الأحزاب6 .. فكما قال النبي للصحابة في صيام عاشوراء (  أنتم أحَقُّ بموسى منهم ، فصوموا ) .. فتنفيذا لقوله تعالى السابق يكون النبي أحق بأن يتبعه الصحابة في فعله .. ومن جملة فعله صيامه لله لأنه يوم مولده .. أليس كذلك ؟!


6- وأما ما قاله الإمام رحمه الله : ( كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره ، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا ..... ) ..
فهذا عين الحق .. ولا خلاف عليه ..


* الملاحظ لكلام بن تيمية .. أنه ينكر المولد النبوي لكونه بدعة دينية يعتبرها البعض عيدا ..!!
ولكنه يُأَوِّله في حق بعض الناس .. على أنه أمر حسن من بعض الناس .. كما يذكر رحمه الله فيقول : " لما يفعلونه فيه من الأعمال الصالحة " ..
ولكنه في نفس الوقت أمر قبيح لمن يعلم أنه بدعة عليه أن يتجنبها ..
بل أنه رحمه الله لم ينكر على من أحسن الفعل مع البدعة .. بل استحسنها .. لقيام هذا الشخص بالعمل الصالح ذلك اليوم بدلا من قيامه بالعمل الفاسد .. ثم استدل بما قاله الإمام احمد رضي الله عنه ..


* ولو كان الإمام بن تيمية يعلم أنها بدعة مذمومة في ذاتها .. لجهر بذلك يقينا .. وما كان ليلتمس العذر للبعض .. وما ليقول هذا الكلام ( فتعظيم المولد ، واتخاذه موسمًا ، قد يفعله بعض الناس ، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده ، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ، ما يستقبح من المؤمن المسدد ) ..
ولعل هذا هو سبب بعض المتمسلفين لا يستدلون بكلام بن تيمية رحمه لله .. !!


* أما ما تم نقله من بعض المتمصوفة .. وقالوا أن بن تيمية أباح هذا الأمر .. فهو كذب صريح على بن تيمية .. فهو لم يقل إلا أنها بدعة .. كحال كل العلماء حتى الذين استحسنوها .. فالجميع قالوا هي بدعة في ذاتها .. ولكن الأفعال الطيبة التي تحدث فيها هي مطلوب الشرع من الإنسان .. فلذلك هذا هو وجه الحُسن فيها .. على أنه لا يجب تخصيص هذا اليوم بالعمل الصالح ..!!


* وأما ما تم نقله من بعض المتمسلفة .. في النظر لبعض المسلمين باحتقار وأنهم أهل بدعة .. بل ووصل بالبعض منهم النقل بالكذب على علماء المسلمين واختصروا كلامهم ووقفوا عند كلمة "بدعة" ولم يكملوا كلامهم بعد ذلك .. فهذا إن دل فإنما يدل على خسيسة نفسية في صدرو هؤلاء .. فضلا عن خيانتهم للأمانة العلمية في النقل ..!! إضافة إلى أن منهم مَن ينقل أقوال لبعض المنتسبين لفكر مذهبي معين فقط دون غيره  .. !! إضافة إلى أن البعض منهم يروج لفكرة أنه لم يجيز المولد إلا شرذمة لا يعتد بها من العلماء .. !!
( وقد ذكرت لكم سابقا من هؤلاء العلماء والحفاظ والمشايخ من ينعتوهم بأهل الضلالة والنار !! ) ..
فهذا أيضا يسمى كذب وخيانة للأمانة العلمية الدينية ..!!


* ولأن كلاهما كذاب "المتمصوف والمتمسلف" .. لعدم كشف العلم واضحا لمن أنكر ولمن أجاز .. فلذلك سيظل هناك دائما فريقين ..!! لأن الكذب هو الدليل والحجة بين الطرفين ..!!


* يكفي أن تذهب لعالم النت .. وستعلم أن الكذب مباح ومتاح دون أمانة علمية ..! الجميع يريد الإنتصار لرأيه وفكره فقط .. خاصة المتمسلف الذي يستبيح علماء الأمة .. !!


************************************


..:: رد الإمام السيوطي على من أنكر المولد النبوي ::..


كتب الإمام السيوطي رسالة قام فيها بالرد على أحد علماء المالكية المسمى "بالفاكهاني".. وقال على المولد النبوي بكونه بدعه أحدثها البطالون "أهل الباطل" ناتجة عن شهوة نفس طمع فيها الآكلون ..!! .. وكان من جملة ما قاله :

" لا أعلم لهذا المولد أصل لا في كتاب ولا سنة ، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها البطالون ، وشهوة نفس اعتنى ﺑﻬا الأكالون ، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا:  إما أن يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو محرما ، وليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه ، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت ، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت ، ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين ، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما "

# فأجاب عليه الإمام السيوطي رحمه الله :

* أما قوله : لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة ..
فيقال عليه: نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل ابن حجر أصلا من السنة ، واستخرجت له أنا أصلا ثانيًا ، وسيأتي ذكرها بعد هذا.

* وقوله:  بل هو بدعة أحدثها البطالون... إلى قوله:  ولا العلماء المتدينون
يقال عليه : قد تقدم أنه أحدثه ملك عادل عالم ، وقصد به التقرب إلى الله تعالى ، وحضر عنده فيه العلماء والصلحاء من غير نكير منهم، وارتضاه ابن دحية ، وصنف له من أجله كتابًا ، فهؤلاء علماء متدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه .

* وقوله:  ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع ..
يقال عليه : إن الطلب في المندوب تارة يكون بالنص، وتارة يكون بالقياس، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس على الأصلين الآتي ذكرهما.

* وقوله:  ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين ..
كلام غير مُسَلَّم ، لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضا : مباحة ومندوبة وواجبة.

* قال النووي في ﺗﻬذيب الأسماء واللغات:
البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.

* وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد:
البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة.
قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة.

* وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة إلى أن قال:
وللبدع المندوبة أمثلة منها:  إحداث الربط والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ، ومنها: التراويح ، والكلام في دقائق التصوف ، وفي الجدل ، ومنها: جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى.

* وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال:
المحدثات من الأمور ضربان:
أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا ، فهذه البدعة الضلالة .
والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة .
وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: ( نعمت البدعة هذه ) .. يعني أنها محدثة لم تكن ، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى .. هذا آخر كلام الشافعي .. ) ..


* فعرف بذلك منع قول الشيخ تاج الدين : ولا جائز أن يكون مباحا ... إلى قوله: وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة إلى آخره ..
لأن هذا القسم مما أحدث ، وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي ، وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام.


* وقوله: والثاني ...إلى آخره ..
هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه الأشياء المحرمة التي ضمت إليه ، لا من حيث الاجتماع لإظهار شعار المولد ، بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلا لكانت قبيحة شنيعة ، ولا يلزم من ذلك ذم أصل الاجتماع لصلاة الجمعة كما هو واضح ، وقد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليالي من رمضان عند اجتماع الناس لصلاة التراويح، فهل يتصور ذم الاجتماع لأجل هذه الأمور التي قرنت ﺑﻬا ، كلا ، بل نقول: أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنة وقربة وما
ضم إليها من هذه الأمور قبيح شنيع ، وكذلك نقول: أصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقربة وما ضم إليه من هذه الأمور مذموم وممنوع ).
راجع رسالة " حسن المقصد في عمل المولد – للإمام السيوطي "

**************************************
(4)
:: القسم الرابع ::
..:: أدلة المبيحين ومناقشة لبعض أدلتهم ؟::..
*******************

..:: من فتاوى العلماء المتقدمين ::..
:: الحافظ السيوطي والحافظ بن حجر ::


ونختص بفتوى الإمام الحافظ السيوطي .. لأن جماهير العلماء يتداولونها في كتبهم خاصة وأنها جامعة لقول الإمام بن حجر العسقلاني رحمهما الله ..

فقد قال بن قاسم العبادي في حاشيته على شرح المنهاج :
* فِي فَتَاوَى الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ سُئِلَ عَنْ عَمَلِ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مَا حُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ وَهَلْ هُوَ مَحْمُودٌ أَوْ مَذْمُومٌ وَهَلْ يُثَابُ فَاعِلُهُ أَوْ لَا ؟
قَالَ وَالْجَوَابُ عِنْدِي : أَنَّ أَصْلَ عَمَلِ الْمَوْلِدِ الَّذِي هُوَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ وَقِرَاءَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ وَرِوَايَةُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي مَبْدَأِ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا وَقَعَ فِي مَوْلِدِهِ مِنْ الْآيَاتِ ثُمَّ يُمَدُّ لَهُمْ سِمَاطٌ يَأْكُلُونَهُ وَيَنْصَرِفُونَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ قَدْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِظْهَارِ الْفَرَحِ وَالِاسْتِبْشَارِ بِمَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ ..

* ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ فِعْلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ صَاحِبُ أَرْبِيلِ وَأَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ عِنْدَهُ فِي الْمَوْلِدِ أَعْيَانُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَنَّ الْحَافِظَ أَبَا الْخَطَّابِ بْنَ دِحْيَةَ صَنَّفَ لَهُ مُجَلَّدًا فِي الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ سَمَّاهُ التَّنْوِيرَ فِي مَوْلِدِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ثُمَّ حُكِيَ أَنَّ الشَّيْخَ تَاجَ الدِّينِ عُمَرَ بْنَ عَلِيٍّ اللَّخْمِيَّ السَّكَنْدَرِيَّ الْمَشْهُورَ بِالْفَاكِهَانِيِّ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ ادَّعَى أَنَّ عَمَلَ الْمَوْلِدِ بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّاهُ الْمَوْرِدَ فِي الْكَلَامِ عَلَى عَمَلِ الْمَوْلِدِ ثُمَّ سَرَدَهُ بِرُمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَهُ أَحْسَنَ نَقْدٍ وَرَدَّهُ أَبْلَغَ رَدٍّ فَلِلَّهِ دَرُّهُ مِنْ حَافِظِ إمَامٍ.)
تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيثمي حاشية ابن قاسم العبادي ج7 ص424


* وذكر السيوطي رحمه الله قول الحافظ بن حجر العسقلاني عَنْ عَمَلِ الْمَوْلِدِ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ :

( أَصْلُ عَمَلِ الْمَوْلِدِ بِدْعَةٌ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ ..
وَلَكِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَحَاسِنَ وَضِدِّهَا فَمَنْ تَحَرَّى فِي عَمَلِهَا الْمَحَاسِنَ وَتَجَنَّبَ ضِدَّهَا كَانَ بِدْعَةً حَسَنَةً وَمَنْ .. لَا .. فَلَا ..

* قَالَ وَقَدْ ظَهَرَ لِي تَخْرِيجُهَا عَلَى أَصْلٍ ثَابِتٍ وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ أَغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فِرْعَوْنَ وَنَجَّى فِيهِ مُوسَى فَنَحْنُ نَصُومُهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى » فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ فِعْلُ الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ إسْدَاءِ نِعْمَةٍ وَدَفْعِ نِقْمَةٍ وَيُعَادُ ذَلِكَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ يَحْصُلُ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كَالسُّجُودِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالتِّلَاوَةِ وَأَيُّ نِعْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ النِّعْمَةِ بِبُرُوزِ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي هُوَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَحَرَّى الْيَوْمُ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُطَابِقَ قِصَّةَ مُوسَى فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَمَنْ لَمْ يُلَاحِظْ ذَلِكَ لَا يُبَالِي بِعَمَلِ الْمَوْلِدِ فِي أَيِّ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ بَلْ تَوَسَّعَ قَوْمٌ فَنَقَلُوهُ إلَى يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ وَفِيهِ مَا فِيهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ عَمَلِهِ.

* وَأَمَّا مَا يُعْمَلُ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى مَا يُفْهِمُ الشُّكْرَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التِّلَاوَةِ وَالْإِطْعَامِ وَالصَّدَقَةِ وَإِنْشَادِ شَيْءٍ مِنْ الْمَدَائِحِ النَّبَوِيَّةِ وَالزُّهْدِيَّةِ الْمُحَرِّكَةِ لِلْقُلُوبِ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ ..

* وَأَمَّا مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ السَّمَاعِ وَاللَّهْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُبَاحًا بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ لِلسُّرُورِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ لَا بَأْسَ بِإِلْحَاقِهِ بِهِ وَمَهْمَا كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا فَيَمْتَنِعُ وَكَذَا مَا كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى . اهـ )

* ثم قال الإمام السيوطي :
( قلت : وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس)  أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة ) مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه ، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات(  .
راجع رسالة السيوطي " حسن المقصد في عمل المولد "

**************************************

..:: كلام جميل للحافظ بن رجب الحنبلي رحمه الله ::..

وللشيخ أبو شامة "شيخ النووي"


* يقول الحافظ بن رجب رحمه الله :( وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن صيام يوم الإثنين ؟ : "ذاك يوم ولدت فيه وأنزلت علي فيه النبوة" إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وسلم لهم وبعثته وإرساله إليهم كما قال تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) آل عمران: 164- فإن النعمة على الأمة : بإرساله أعظم من النعمة عليهم بإيجاد السماء والأرض والشمس والقمر والرياح والليل والنهار وإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك فإن هذه النعم كلها قد عمت خلقا من بني آدم كفروا بالله وبرسله وبلقائه فبدلوا نعمة الله كفرا فأما النعمة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم فإن بها تمت مصالح الدنيا والآخرة وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم فصيام يوم تجددت فيه هذه النعم من الله على عباده المؤمنين حسن جميل وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر ونظير هذا صيام يوم عاشوراء حيث أنجى الله فيه نوحا من الغرق ونجى فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده وأغرقهم في اليم فصامه نوح وموسى شكرا لله فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم متابعة لأنبياء الله وقال لليهود: "نحن أحق بموسى منكم" وصامه وأمر بصيامه.
لطائف المعارف ص95-96

* يقول الشيخ أبو شامة "شيخ النووي "رحمهما الله : " ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات ، والمعروف ، وإظهار الزينة والسرور ، فإن ذلك مشعرٌ بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين "
الباعث على إنكار البدع والحوادث، تأليف: أبو شامة، ص13.

************************************

..:: من فتاوى المعاصرين ::..
الشيخ عطية صقر رحمه الله

فقد أجاب رحمة عن ثلاثة أسئلة خاصة بالمولد النبوي الشريف .. نذكرها لكم للإفادة خاصة وأنها غير موجود على شبكة الإنترنت .. مع إخلاصه في أمانة الإجابة وعدم تحيزه لأحد .. وكانت الأسئلة الثلاثة في سنة 1997 م .. وتتلخص في ثلاث أسئلة :
1- مشروعية المولد النبوي
2- هل صيام يوم المولد النبوي له فضيلة ؟
3- أيهما أفضل المولد النبوي أم ليلة القدر ؟

# س1 - يقول بعض الناس : إن الاحتفال بمولد النبى صلى الله عليه وسلم بدعة لم تكن فى أيام النبى صلى الله عليه وسلم ولا فى أيام الصحابة والسلف الصالح، ويقولون إنها بدعة منكرة وضلالة تؤدى إلى النار ، فما هو الرأى الصحيح فى ذلك ، وكذلك في الاحتفال بموالد الأولياء ؟

* الجواب :

 لا يعرف المؤرخون أن أحدا قبل الفاطميين احتفل بذكرى المولد النبوى -كما قال الأستاذ حسن السندوبى - فكانوا يحتفلون بالذكرى فى مصر احتفالا عظيما ويكثرون من عمل الحلوى وتوزيعها كما قال القلقشندى فى كتابه " صبح الأعشى".

* ثم قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور : وقد أتى القرن التاسع والناس بين مجيز ومانع ، واستحسنه السيوطى وابن حجر العسقلانى ، وابن حجر الهيتمى ، مع إنكارهم لما لصق به من البدع ، ورأيهم مستمد من آية ( وذكِّرهم بأيام الله ) إبراهيم: 5.

* أخرج النسائى وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند، والبيهقى فى شعب الإِيمان عن أبى بن كعب عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه فسر الأيام بنعم الله وآلائه "روح المعانى للآلوسى" .. وولادة النبى نعمة كبرى. اهـ.

* وفى صحيح مسلم عن أبى قتادة الأنصارى قال: وسئل - النبى صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الاثنين فقال " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أُنزل علىَّ فيه " روى عن جابر وابن عباس:

* ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول، وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات أي في شهر ربيع الأول.

* فالرسول صلى الله عليه وسلم نص على أن يوم ولادته له مزية على بقية الأيام ، وللمؤمن أن يطمع فى تعظيم أجره بموافقته ليوم فيه بركة ، وتفضيل العمل بمصادفته لأوقات الامتنان الإِلهى معلوم قطعا من الشريعة ، ولذا يكون الاحتفال بذلك اليوم ، وشكر الله على نعمته علينا بولادة النبى وهدايتنا لشريعته مما تقره الأصول ، لكن بشرط ألا يتخذ له رسم مخصوص ، بل ينشر المسلم البشر فيما حوله، ويتقرب إلى الله بما شرعه، ويعرِّف الناس بما فيه من فضل ، ولا يخرج بذلك إلى ما هو محرم شرعا . أما عادات الأكل فهى مما يدخل تحت قوله تعالى ( كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ) البقرة: 172 . انتهى .

* ورأيى (الشيخ عطية صقر) : أنه لا بأس بذلك في هذا العصر الذى كاد الشباب ينسى فيه دينه وأمجاده ، في غمرة الاحتفالات الأخرى التي كادت تطغى على المناسبات الدينية، على أن يكون ذلك بالتفقه في السيرة ، وعمل آثار تخلد ذكرى المولد، كبناء مسجد أو معهد أو أي عمل خيرى يربط من يشاهده برسول الله وسيرته.

* ومن هذا المنطلق يجوز الاحتفال بموالد الأولياء ، حبًّا لهم واقتداء بسيرهم ، مع البعد عن كل المحرمات من مثل الاختلاط المريب بين الرجال والنساء ، وانتهاز الفرص لمزاولة أعمال غير مشروعة من أكل أو شرب أو مسابقة أو لهو ، ومن عدم احترام بيوت الله ومن بدع زيارة القبور والتوسل بها ، ومن كل ما لا يتفق مع الدين ويتنافى مع الآداب .
فإذا غلبت هذه المخالفات كان من الخير منع الاحتفالات درءًا للمفسدة كما تدل عليه أصول التشريع .

* وإذا زادت الإِيجابيات والمنافع المشروعة فلا مانع من إقامة هذه الاحتفالات مع التوعية والمراقبة لمنع السلبيات أو الحد منها بقدر المستطاع ، ذلك أن كثيرا من أعمال الخير تشوبها مخالفات ولو إلى حد ما ، والكل مطالب بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالوسائل المشروعة " انظر الجزء الرابع من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام " .

* يقول الزرقانى فى شرح المواهب للقسطلانى: إن ابن الجزرى الإمام فى القراءات والمتوفى سنة 833 هـ علَّق على خبر أبى لهب الذى رواه البخارى وغيره عندما فرح بمولد الرسول وأعتق " ثويبة" جاريته لتبشيرها له ، فخفف الله عقابه وهو فى جهنم فقال : إذا كان هذا الكافر الذى نزل القرآن بذمه جوزى فى النار بفرحه ليلة المولد فما حال المسلم الموحد من أمته حين يُسرُّ بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته فى محبته .

* يقول الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه * وتبَّت يداه فى الجحيم مخلدا
أتى أنه فى يوم الاثنين دائما * يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذى كان عمره * بأحمد مسرورا ومات موحدا ؟

* رجح ابن إسحاق أن ميلاد النبى صلى الله عليه وسلم كان فى ثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من عام الفيل وروى ابن أبى شيبة ذلك عن جابر وابن عباس وغيرهما، وحكوا شهرته عند الجمهور.

* وقد حقق صاحب كتاب " تقويم العرب قبل الإسلام " بالحساب الفلكي الدقيق أن الميلاد كان في يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول الموافق للعشرين من شهر أبريل سنة 571 م.
"انظر الحاوي للفتاوي للسيوطي ومجلة الهداية الصادرة بتونس في ربيع الأول 1394هـ "
فتاوى دار الإفتاء المصرية ج8 ص255 .. مختصرا لكلامه ..

********************************

..:: هل صيام يوم المولد النبوي له فضيلة ؟ ::..

# س2 : ما هو اليوم الذى نصومه بمناسبة المولد النبوى الشريف ، وهل إذا صادف يوم جمعة يكون صومه حلالا ؟

* الجواب :

 * صيام التطوع مندوبُ لا يختص بزمان ولا مكان ، ما دام بعيدا عن الأيام التى يحرُم صيامها، وهى العيدان وأيام التشريق ويوم الشك على اختلاف للعلماء فيه، والتى يكره صيامها كيوم الجمعة وحده ، ويوم السبت وحده .

* وهناك بعض الأيام يستحب الصيام فيها كأيام شهر المحرم ، والأشهر الحرم ، وعرفة وعاشوراء ، وكيوم الاثنين ويوم الخميس من كل أسبوع ، والثلاثة البيض من كل شهر وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ، وستة من شهر شوال ، وكثير من شهر شعبان ، كما كان يفعل النبى صلى الله عليه وسلم ..

* وليس من هذه الأيام يوم ذكرى مولد النبى صلى الله عليه وسلم ، والذى اعتاد الناس أن يحتفلوا بها في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، فلا يندب صومه بهذا العنوان وهذه الصفة ، وذلك لأمرين :

أولهما : أن هذا اليوم لم يتفق على أنه يوم ميلاده صلى الله عليه وسلم ، فقد قيل إنه ولد يوم التاسع من شهر ربيع الأول وقيل غير ذلك .
وثانيهما :  أن هذا اليوم قد يصادف يوما يكره إفراده بالصيام كيوم الجمعة .. فقد صح في البخاري ومسلم النهى عنه بقوله صلى الله عليه وسلم" " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده ".
هذا بخصوص صوم يوم الميلاد النبوى فى كل عام ..

* أما صيام يوم الاثنين من كل أسبوع فكان يحرص عليه النبى صلى الله عليه وسلم، لأمرين ..
أولهما : أنه قال إن الأعمال تعرض على الله فيه وفى يوم الخميس ، وهو يحب أن يعرض عمله وهو صائم ، كما رواه الترمذى وحسَّنه ..
وثانيهما : أنه هو اليوم الذى ولد فيه وبعث فيه كما صح فى رواية مسلم. فكان يصومه أيضا شكرا لله على نعمة الولادة والرسالة.

* فمن أراد أن يشكر الله على نعمة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته فليشكره بأية طاعة تكون ، بصلاة أو صدقة أو صيام ونحوها ، وليس لذلك يوم معين في السنة ، وإن كان يوم الاثنين من كل أسبوع أفضل ، للاتباع على الأقل ..

* فالخلاصة أن يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول ليس فيه عبادة خاصة بهذه المناسبة ، وليس للصوم فيه فضل على الصوم فيٍ أي يوم آخر ، والعبادة أساسها الاتباع ، وحبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم يكون باتباع ما جاء به كما قال فيما رواه البخارى ومسلم " من رغب عن سنتى فليس منى " وفيما رواه أبو يعلى بإسناد حسن " من أحبنى فليستن بسنتى" ..
فتاوى دار الإفتاء المصرية ج9 ص289 الشيخ عطية صقر ..

******************************

..:: ليلة القدر أم المولد النبوي ؟ ::..

# س3 : أيهما أفضل ، ليلة القدر أم ليلة المولد النبوى؟

* الجواب :

 تحدثت كتب السيرة في بيان هذه الأفضلية ، ورجح الكثيرون أن ليلة المولد أفضل ، لأنها السابقة على ليلة القدر وهى الأصل ، وأن ليلة القدر شرفت بنزول القرآن والملائكة ، وليلة المولد شرفت بظهور محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من الملائكة ، والقرآن نزل عليه بعد ميلاده ، وبغير ذلك من وجوه التفضيل ..
ولكنى أرى أن الجدل في مثل هذه الأمور لا ينبغي إلا إذا كان من ورائه خير للمتجادلين فيه ..

* وبناء على هذا أقول : إن ليلة المولد وليلة القدر باعتبار أن البعثة كانت فيها كلتاهما نعمة من الله كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشكر ربه عليهما بصيام يوم الاثنين من كل أسبوع ، كما رواه مسلم .

* ولم تشرع لنا عبادة بمناسبة المولد النبوي في حين شرع لنا قيام ليلة القدر ، فهي لنا فضل وبركة من هذه الوجهة ، وإن كان مولده صلى الله عليه وسلم نعمة على العالم كله بمقتضى رسالته التي قال الله فيها: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء: 107
فتاوى دار الإفتاء المصرية ج10 ص189

****************************
(5)
:: القسم الخامس ::
..:: مناقشة بعض أدلة المبيحين ؟ ::..
*****************

..:: مناقشة وتعليق على الدليل الخاص برؤيا العباس لأبي لهب !! ::..

ذكر المبيحون للمولد دليلا على مشروعيته .. بالإستدلال بحديث مرسل "أي قاله تابعي وليس النبي" .. وقد ذُكر ذلك في البخاري ومسلم .. حيث قال الصحابي " عروة بن الزبير بن العوام ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ , كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا , فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ , أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ , فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ ؟ , قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ , غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ )


* وهذا الحديث بالرغم من صحة سنده ( والبعض ضعفه ) وأنه تم ذكره في البخاري ومسلم وغيرهما .. إلا أنه لا يستدل به كحجة في الأحكام الشرعية .. فضلا عن أن الكافر لا ينفعه عمله بعد الموت إلا ما خص عليه الدليل .. مثلما حدث لأبو طالب .. كرامة من الله للنبي لدفاعه عن النبي .. !!


* وقبل الخوض فيما قاله العلماء : أذكر لكم بعض معاني الحديث :


* شرح : ( وَذكر السُّهيْلي أَن الْعَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لما مَاتَ أَبُو لَهب رَأَيْته فِي مَنَامِي بعد حول فِي شَرّ حَال، فَقَالَ: مَا لقِيت بعدكم رَاحَة إلاَّ أَن الْعَذَاب يُخَفف عني كل يَوْم اثْنَيْنِ. قَالَ: وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولد يَوْم الِاثْنَيْنِ وَكَانَت ثويبة بشرت أَبَا لَهب بمولده فَأعْتقهَا.) 
عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج20 ص95


* شرح : (أُرِيَهُ) مبنيٌّ للمفعول، أي: رأَى بعضُ أهله أبا لَهَبٍ في المَنام.
(بِشر حِيْبة) بكسر الحاء المهملة، وسُكون الياء، وبموحَّدةٍ، أي: على أَسوأ حالَةٍ، يقال: باتَ الرجُل بحِيْبَة سُوءٍ، أي: بحالة رديةٍ.
(في هذه) إشارةٌ إلى النُّقرة التي بين الإبهام والسَّبَّابة.
(بعتاقتي) بفتح المهملة، أي: إِعتَاقي.
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح ج13 ص205


* شرح : (أرُيه بعضُ أهله): قال السهيلي: الرائي هو العباس - رضي الله عنه
(غير أني سقيت في هذه): قيل: هي إشارة إلى نقرة إبهامه ؛ كأنه يقلِّل ما نالَه من الماء.
مصابيح الجامع ج9 ص22


* شرح : ( وقال القرطبي في "مُفهمه": سقي نطفة من ماء في جهنم بسبب ذلك ، قال: وذلك أنه جاء في "الصحيح": أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل بك ؟ فقال: سقيت في مثل هذِه . وأشار إلى ظفر إبهامه )
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ج24 ص283


* شرح : ( وَحَاصِل الْمَعْنى إِشَارَة إِلَى حقارة مَا سقى من المَاء، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: سُقِي نقطة من مَاء فِي جَهَنَّم بِسَبَب ذَلِك )
عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج20 ص94


* شرح : (بعتاقتي): بفتح العين، قيل: هذا خاص به إكرامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، كما خفف عن أبي طالب بسببه، وقيل: لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيرًا.
التوشيح شرح الجامع الصحيح ج7 ص3223


# س1 : ماذا قال العلماء في حجية الإحتجاج بهذا الحديث المرسل السابق ذكره ؟ :

* ( وَيُقَال: إِن قَول عُرْوَة لما مَاتَ أَبُو لَهب : أريه بعض أَهله إِلَى آخِره ..
خبر مُرْسل أرْسلهُ عُرْوَة وَلم يذكر من حَدثهُ بِهِ .. ؟
وعَلى تَقْدِير أَن يكون مَوْصُولا فَالَّذِي فِي الْخَبَر رُؤْيا مَنَام فَلَا حجَّة فِيهِ ..
وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لم يكن إِذْ ذَاك أسلم بعد ، فَلَا يحْتَج بِهِ .
وَأجِيب ثَانِيًا : على تَقْدِير الْقبُول ، يحْتَمل أَن يكون مَا يتَعَلَّق بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَخْصُوصًا من ذَلِك بِدَلِيل قصَّة أبي طَالب حَيْثُ خفف عَنهُ . فَنقل من الغمرات إِلَى الضحضاح ..
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا التَّخْفِيف خَاص بِهَذَا وبمن ورد النَّص فِيهِ ، وَالله أعلم )
عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج20 ص95


* ( والخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدّثه به ..
وعلى تقدير أن يكون موصولًا فلا يحتج به إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي ..
لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مخصوصًا من ذلك بدليل التخفيف عن أبي طالب المروي في الصحيح والله أعلم.)
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج8 ص32

# س2 : هل ينفع الكافر أن ينتفع بأعماله الصالحة في الآخرة ؟
انقسم العلماء لفريقين :
1- الفريق الأول : قال بالنفع .. وهذه حجتهم :

* ( قال البيهقي : ما ورَدَ في بُطْلان خيرات الكفَّار معناه: أنَّه لا يمكن لهم التخلُّص من النار، وإدْخال الجنَّة، لكن يُخفَّف عنهم عذابُهم الذي يَستَوجبُونه على خَبائثَ ارتكبُوها -سِوى الكُفر- بما عَمِل من الخَيْرات.)
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح ج13 ص205

* وقال بن الملقن : ( وفيه من الفقه ( أي الحديث ) : أن الكافر قد يعطى عوضًا عن أعماله التي يكون مثلها قربة لأهل الإيمان بالله كما في حق أبي طالب وقد سلف ( حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - رضى الله عنه - قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: َمَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَال: « هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِى الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ») ..
غير أن التخفيف عن أبي لهب أقل من التخفيف عن أبي طالب ؛ لأن أبا لهب كان مؤذيًا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم -، فلم يحق له التخفيف بعتق ثويبة إلا بمقدار ما تحمل النقرة التي تحت إبهامه من الماء، وخفف عن أبي طالب أكثر من ذلك؛ لنصرته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحياطته له ، وقيل: إنه من تفضل عليه .
قال ابن بطال : وصح قول من تأول في معنى الحديث الذي جاء عن الله تعالى أن رحمته سبقت غضبه لا تقطع عن أهل النار المخلدين، إذ في قدرته أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفًا ..)
التوضيح شرح الجامع الصحيح ج24 ص286 .. وقد ذكرت حديث أبو طالب بنصه ولم يذكره المؤلف بل أشار إليه ..

2- الفريق الثاني : (وهو الأصوب من وجهة نظري )

* قال بن الملقن : ( ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته في الدنيا، بل يوسع عليه بها في دنياه ، وهذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه أيضًا .)
التوضيح شرح الجامع الصحيح ج24 ص283


* ( وَقَالَ القَاضِي عِيَاض : انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن الْكفَّار لَا تنفعهم أَعْمَالهم وَلَا يثابون عَلَيْهَا بنعيم وَلَا تَخْفيف عَذَاب، وَلَكِن بَعضهم أَشد عذَابا بِحَسب جرائمهم .
وَقَالَ الْكرْمَانِي : لَا ينفع الْكَافِر الْعَمَل الصَّالح . إِذْ الرُّؤْيَا لَيست بِدَلِيل، وَعلي تَقْدِير التَّسْلِيم يحْتَمل أَن يكون الْعَمَل الصَّالح وَالْخَيْر الَّذِي يتَعَلَّق لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَخْصُوصًا، كَمَا أَن أَبَا طَالب أَيْضا ينْتَفع بتَخْفِيف الْعَذَاب. )
عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج20 ص95


* ( فإن قيل : فيه دليلٌ على أنَّ الكافر ينفعُه العمَلُ الصَّالح، وقد قال تعالى: ( فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا )  الفرقان: 23 .
قيل : الرُّؤْيا ليسَتْ بدليلٍ ، أو أن ذلك الخَيْر بسبَب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا بسَبَب عمَلِ أبي لَهَبٍ ، كما انتفَع أبو طالِبٍ بتخفيف العذاب ) .
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح ج13 ص205


* ( واستدلّ بهذا على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة وهو مردود بظاهر قوله: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا }  الفرقان: 23 - لا سيما والخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدّثه به ..
وعلى تقدير أن يكون موصولًا فلا يحتج به إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي ..
لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مخصوصًا من ذلك بدليل التخفيف عن أبي طالب المروي في الصحيح والله أعلم.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج8 ص32



* ورأيي الخاص .. هو أن يتم ذكر الحديث من باب الخصائص النبوية واللطائف الخاصة به صلى الله عليه وسلم .. ولكن لا نقول أن من سيحتفل بالمولد النبوي سيخفف عنه عذاب .. لأن هذا يحتاج لدليل ونص .. وهذا أمر غير موجود .. بل الدليل على أن محبة الله وغفرانه تأتي باتباع الرسول وليس بالإحتفال به في يوم محدد بذاته .. يقول تعالى : ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) آل عمران31 ..!!


* وما يتم ذكره في بعض كتب التصوف من قصص مبنية على بعض الرُّؤيات .. فهذا أمر خاص بمن رأى وأمره إلى الله .. وليس شرعا يعتد به .. وإذا رويت هذه الرؤى فهي على سبيل اللطائف والكرامات الخاصة بالذي رأها .. وليس شرعا يُحتج به كما يفعل البعض في كتبهم .. وهذا يعتبر تدليس على الناس في دينهم بما ليس فيه وتحريض للعقول على الإعتقاد بأن هذا شرعا يُعتقد فيه ..!!

* الخلاصة : هو أن الحديث لا يصلح ليكون حجة شرعية .. ولكن .. العلماء الذي أنكروا انتفاع الكافر بعمله الصالح في الآخرة .. لم يمنعوا أيضا أن يكون هناك انتفاع خاص لأبو لهب من باب أن هذا خصوصية للنبي أو كرامة له .. كما حدث مع عمه أبو طالب في تخفيف العذاب عنه .. !!

* وإن كنت أظن ( عن رأيي ) أنه لا انتفاع لأبو لهب بسبب فرحته بمولد النبي .. حتى ولو قلنا من باب أنها خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم .. لأن فعله مع النبي كان من باب الفرح بابن أخيه .. وليس من باب كونه رسول الله !! .. بخلاف أبو طالب الذي كان يدافع عن النبي حال رسالته وبعثته .. فكان مستحق لهذا التخفيف .. وكان لهذا ما يبرره ..!!
وعموما رحمة الله واسعة .. وكرامته لحبيبه لا تنقطع .. !!
والله أعلم .


**************************************
(6)
:: القسم السادس ::
..:: أسباب إباحة المولد النبوي ( رأي صاحب الموضوع ) ::..
( شرعا وعقلا )
**********************

..:: الأسباب التي جعلتني اتفق مع المبيحين للمولد النبوي ::..

* بالرغم من وجود القاعدة الفقهية  : " لا يُنكَرُ المختَلَفُ فيه، وإنما يُنكَر المُجْمَعُ عليه " .. كما قال بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى: "الإنكار من المنكر إنما يكون فيما اجتمع عليه، فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه ." المنثور في القواعد 2/140 ، وكما قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: " لا ينكر المختلف فيه ، وإنما ينكر المجمع عليهالأشباه والنظائر للسيوطي ص:158.
. إلا أن البعض يريد إكراه البعض الآخر على فكره هو ومذهبه هو .. وهذا لا ينبغي وما يكون .. يقول الموفق ابن قدامة المقدسي : ( لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه ؛فإنه لا إنكار على المجتهدات ) كما في الآداب الشرعية ، لابن مفلح الحنبلي 1/186

* ولكن المتمسلف .. إذا لم يتبع الآخر فكره هو فقط دون غيره ( الذي قد يحتمل صوابا و خطأ ) .. فهو إذن ملعون وبدعي وفاسق ووصل الأمر في هذه المسألة بقيام المتمسلف بجعل حفاظ الأمة السابق ذكرهم جماعة ضلالية ومن أهل النار ..!! لأنهم أباحوا المولد النبوي .. !!

* وهذا الإكراه يُسمى خيانة أمانة علمية .. وقد شرحنا ذلك سابقا بما لا حاجة لإعادته .. ويكفي تذكيرهم بقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) الأنفال27 ..!!

* عن رأيي الشخصي .. لا مانع من الإحتفال بالمولد النبوي .. ليس لكونه عيدا .. ولكن كونه يوم نعتز فيه بميلاد نبينا ورسولنا الذي أضاء الوجود بنور الهداية الربانية والمنهج الإلهي ..  طالما هذا الإحتفال لم يخرج عن طاعة الله والتقرب إليه ..  !!

# وعندي أدلتي الشرعية في ذلك من القرآن والسنة والعقل #


* ففي القرآن :


1- يقول تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) إبراهيم5 ..

* وقال الفخر الرازي : ( وَاعْلَمْ أَنَّ أَيَّامَ اللَّهِ فِي حَقِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهَا مَا كَانَ أَيَّامَ الْمِحْنَةِ وَالْبَلَاءِ وَهِيَ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِيهَا تَحْتَ قَهْرِ فِرْعَوْنَ وَمِنْهَا مَا كَانَ أَيَّامَ الرَّاحَةِ وَالنَّعْمَاءِ مِثْلَ إِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَانْفِلَاقِ الْبَحْرِ وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ.)
تفسير مفاتيح الغيب ج19 ص65


* قال الإمام الألوسي : (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أي بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق )
تفسير روح المعاني ج7 ص178


* فإذا فهمت ما سبق .. فقد علمت أن الإهتمام بالأيام هو من إرادة الله وأمره .. ليتذكر العباد نعم الله عليهم وكذلك قدرته في البلاء بما سبق من الأمم ..
وهل هناك مانع من أن نهتم بمولد النبي .. أليس هذا من أيام الله التي يجب أن نشكر الله عليها .. بأنه أوجد لنا نبينا وهادينا وشفيعنا صلى الله عليه وسلم .. أم أن هذا وقف على اليهود فقط .. ومن يقل بذلك فهو مخطأ لأن النبي شارك في صيام يوم عاشوراء .. وكان هذا يوم صيام لليهود يحتفلون به لأن الله أنجى فيه موسى ومن معه وأغرق فرعون .. !!


2- إن الله قد أكرم يوم ميلاد سيدنا يحيى وعيسى عليهما السلام .. ( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) مريم 15 ، ( وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) مريم33 .. والمقصود بهذه المناسبات الثلاثة .. يوم المولد بالعصمة من الشيطان ، ويم الموت من عذاب القبر ، ويوم البعث بالأمان من عذاب النار ..

* والشاهد في الأمر .. أن الله سبحانه خصص هذه الأيام بإظهار كرامة لهؤلاء الأنبياء .. وأهتم بذكر هذه الأيام لأظهار مكانة هؤلاء الأنبياء .. أفلا يحق لنا أن نظهر اهتمامنا بالنبي نحن أيضا بيوم مولده .. كما اهتم القرآن بمولد هؤلاء الأنبياء ..!!
فما المانع لذلك ..!!

* ولم يذكر القرآن بالسلام على النبي في القرآن كما حال عيسى ويحيى عليهما السلام .. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن .. ومن كان خلقه القرآن فهو في سلام كامل مع الله .. وحضور دائم في حضرة الحق سبحانه بدليل ما رواه البخاري ( إني لستُ مثلَكم ، إني أَبِيتُ يُطعِمُني ربي ويَسقيني ) .. فانتبه لمكانة النبي صلى الله عليه وسلم ..!
* ففرق بين من يتجلى عليه الحق في بعض الأوقات .. وبين من يتجلى عليه الحق في كامل الأوقات ..!!


* كما أن الله جعل السلام عليه من تمام الصلاة كما في التشهد حيث نقول " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " .. بل وجعلها ذكرا لنرتقي به إلى الله بالتسليم على النبي والصلاة عليه ، بل وجعله أصلا في صلاة الجنازة حتى تكون وسيلة ورحمة للميت .. فأي كرامة إلهية هذه التي أكرم بها النبي صلى الله عليه وسلم وأكرمنا بها بسببه صلى الله عليه وسلم ..!!


3-  يقول تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب56 .. فلا عجب وغرابه إن صليت على النبي وسلمت عليه كثيرا في هذا اليوم .. من باب المحبة للنبي وعملا بأوامر الله ( صلوا – سلموا ) .. وسواء تم تسميته مولد النبي أو حب النبي أو كرامة النبي .. فلا أبالي بالمسميات .. بل بالأفعال الموجبة لرضا الله وتستوجب حب النبي ..!!


# أما عن الأحاديث المشيرة لذلك :


1- أن أول من فعل ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث .. ( وسُئل - النبى صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الاثنين فقال " ذاك يوم ولدت فيه ، ويوم بعثت أو أُنزل علىَّ فيه ) .. فكان احتفال النبي هو تقديم طاعة لله على نعمة الإجاد ونعمة الرسالة .. ونحن نصوم هذا اليوم اتباع للنبي وليس للمولد النبوي ..!!


2- أن الأيام التي تدل على فضل الله .. لا مانع من التذكير بها والإعتراف بنعمة الله علينا .. كما ذكرنا سابقا في قوله تعالى (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ) إبراهيم5 - ..، ولكن أيضا هذا ما حدث مع النبي .. ودليل ذلك ما جاء في الحديث : ( قَدِمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ ، فرأَى اليهودَ تصومُ يومَ عاشوراءَ ، فقال : ( ما هذا ) . قالوا : هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومَ نجَّى اللهُ بني إسرائيلَ من عدُوِّهم، فصامه موسى . قال : ( فأنا أحقُّ بموسى منكم ) . فصامه وأمَر بصيامِه . ) .. وفي رواية ( أنتم أحَقُّ بموسى منهم ، فصوموا ) .
فلو كان فعل اليهود أمرٌ منكر لأنكره النبي صلى الله عليه وسلم ..!!

* بل أن الحديث فيه دلالة على عبادة الصوم لله في الأيام التي أنعم الله بها على عباده من باب الشكر لله .. ولذلك قال النبي لصحابته ( أنتم أحَقُّ بموسى منهم ، فصوموا ) ..
وليس هناك مانع أن ننظر بعين الإهتمام للمولد النبوي كونه نعمة من الله تستوجب الشكر لله .. ويكون له يوما نتعبد فيه إلى الله .. دليل على شكرنا لله تعالى ..!! أم أن هذا لا يجوز إلا لليهود فقط .. ؟!!
وما معنى قول النبي ( أنتم أحَقُّ بموسى منهم ، فصوموا ) .. إلا وجوب الشكر لله على نعمه وإفضاله ..!!
كذلك الحال .. فمولد النبي كان من نعم الله وأفضاله .. فلولاه صلى الله عليه وسلم .. ما كنا مسلمين ..!!
وراجع ما ذكرته لك عن الحافظ بن حجر في فتواه عن المولد .. التي نقلها السيوطي رحمهما الله ..


3- أن النبي احتفل واهتم بمولده بأن صنع عقيقة عن نفسه بعد نزول الرسالة عليه .. والعقيقة هي اعتراف بمنة الله ونعمته على عطاءه .. أليس هذا دليل على احتفاله بعيد مولده ؟!! بدليل الحديث)  أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة ) .. وهذا ما استدل به السيوطي رحمه الله .. وراجع فتواه التي ذكرناها ل سابقا ..


# من الأدلة العقلية والموصولة بالشرع أيضا :


1- يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعلِه جزاك اللهُ خيرًا فقد أبلغ في الثَّناءِ ) .. أفلا يكون لنا أن نتأدب معه صلى الله عليه وسلم ونرجو له من الله الخير ونظهر له الخير منا في محبته ولو بمظهر الإحتفال والفرح بمولده الشريف ..!!


2- يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من لم يشكرِ القليلَ لم يشكرِ الكثيرَ ، و من لم يشكرِ الناسَ ، لم يشكرِ اللهَ ، و التحدُّثُ بنعمةِ اللهِ شكرٌ ، وتركُها كفرٌ ) .. ونحن نفعل الاحتفال ونهتم بالمولد النبوي من باب الشكر لله على نعمته المتمثلة في رسول الله ونتحدث بها .. وفي ذات الوقت نشكر النبي بكثرة الصلاة والسلام عليه .. ونتذكر سيرته الشريفة .. فأي خطيئة في ذلك ؟!!


3- ما المانع أن أجتهد في هذا اليوم بالعمل الصالح اعترافا بفضل الله علينا وشكرا لنعمته التي أرسلها إلينا .. وهذا هو كان فعل النبي مع الله !!


** واختم هذه الجزئية بكلام لطيف أنقله لكم من كتاب " سر الأسرار في مولد المختار " :


( إن الفرح بمولده صلى الله عليه وسلم إن كان في ظاهره يُنسب إليه ويُعد فرحا بمولد صلى الله عليه وسلم .. لكنه في الحقيقة يعد فرحا بنعمة الله تعالى وفضله .. ، والفرح بالنعمة فرح بالمنعم .. فهو صلى الله عليه وسلم نعمة الله ، وهدية الله ، وعطاء الله الذي ساقه إلى عباده كما قال تعالى ( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ ) آل عمران164- .. والمنة هي الهدية ، والهدية تكون على قدر مهديها ، والهدية للمحبين ، والعطية للمحتاجين ، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو الهدية التي كانت من الله لمن أحبه من عباده .. فلأجله صلى الله عليه وسلمكرمنا الله على سائر الأمم فقال تعالى : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ال عمران110 – ووصفنا بالمحبة لذاته فقال تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ ) البقرة165- وجعلنا خير الخلائق حيث أقامنا في مقام الشهادة على العباد فقال تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ) البقرة148- .. والفرح بفضل الله وبنعمه واجب على كل مسلم ومؤمن أقر بدعوته وآمن به لقوله تعالى ( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) يونس58 . )
من كتاب " سر الأسرار في مولد المختار " – محمود علي الرفاعي - ص88-89


************************************
(7)
:: القسم السابع ::
..:: مناقشة الإمام السيوطي في مسألة عدم الإحتفال بوفاة الرسول ::..
********************
..:: هل يجوز الإهتمام بوفاة النبي ؟ ::..

ولماذا لا نحتفل ونهتَمَّ بكلِّيَة النبي ؟


* قلت صاحب الموضوع ( وجهة نظر ) :
يوم وفاة النبي هو يوم مولده كما قال البعض .. وهناك من اختلف في ذلك .. ولكن كلاهما في شهر ربيع الأول .. فطالما هذا الشهر يجمع البداية والنهاية فلماذا لا نجعله شهر نهتم فيه بالنبي بصورة كاملة ؟


* "إشارة لطيفة " : هذه إشارة لطيفة انتبهت إليها .. وهي أن المولد والوفاة في شهر واحد .. إشارة على التحقيق الكامل بحياة النبي من يوم مولده ليوم وفاته .. بإعادة مراجعة كل ما يتعلق من سيرة النبي طوال هذا الشهر .. من مبدأها إلى منتهاها وما يحدث بعداها من كرامة للنبي في القبر وفي الآخرة .. حتى تحيا القلوب بمحبته وترتقي النفوس بسيرته وسنته .. بل والحث على الإكثار من الصلاة على النبي اعترافا منا له ووفاء له وأيضا عملا بأمر الله في ذلك كما أوصانا ربنا ( صلوا – سلموا ) ..

* فكما أن شهر رمضان تجديد للعهد مع الله بالإتصال معه سبحانه بكثرة الطاعات .. فشهر ربيع الأول يكون تجديد لإعادة معرفة من هو النبي صلى الله عليه وسلم من المولد حتى الوقوف بين يدي الله ..
والله أعلم


* أعود فأقول :

لماذا نهتم بالمولد فقط أو بالوفاة فقط أو بحياته فقط .. ؟ لماذا لا نحتفل بكلية النبي .. أي بكل ما يتعلق بالنبي ؟

نهتم بكل حياته الشريفة باتباعه صلى الله عليه وسلم في أحوال حياته قدر المستطاع .. واعتز كذلك بيوم وفاته وبأيام حياته ..  فابتهج بكلية النبي صلى الله عليه وسلم من مولده لبعثته لوفاته ليوم الحساب .. فهو كله بركة وخير .. بل ومن قبل مولده كان الأنبياء يبشرون به ويرجون لو كانوا من أمته كما حدث لسيدنا موسى عليه السلام .. فهذا كلها أمور نبتهج بها ونسعد بها ونفتخر بها فكلها أيام كرامة طالما نتبع فيها النبي ونفعل أفعاله ..


* فإذا كان الله قد جعل من نبيه رحمة للعالمين .. فلماذ اغتم بوفاته وأفرح بميلاده فقط ؟ !! .. أليس هو قد بلغ الرسالة كاملة على الوجه الأكمل . فلماذا أحزن عليه ؟!! 
نعم أحزن لفراقه .. ولكن افرح لكونه انتقل لمكانة شريفة أعلى ..!!

* لماذا ننظر للوفاة من حيث الحزن والفراق ولا ننظر إلى النبي من حيث مكانته التي انتقل إليها فنبتهج ونسعد بذلك .. ولماذا لا ننظر إلى كرامة النبي علينا باستغفاره لأمته إن وجد منهم خطأ .. لماذا لا نعلم أولادنا أن مولده كان كرامه وسيرته كرامة ووفاته ترتب عليها كرامة ويوم الحساب ستكون له كرامة الكرامات وهي الشفاعة العظمى ..!!


* فإذا كان الله يصلي وملائكته على النبي في كل وقت .. أليس في هذا كرامة وحدها لأسعد بأن الملأ الأعلى يحتفل بالنبي في كل لحظة .. بالصلاة عليه .. حيا كان أو ميتا .. !!

***************************************

..:: مناقشة رد الإمام السيوطي على الفاكهاني ::..


* وقد قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني معترضا على من أباحوا المولد النبوي .. وقال ما نصه : " مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه..؟"

* وقد أجابه الإمام السيوطي فقال :
إن ولادته صلى الله عليه وسلم أعظم النعم علينا ، ووفاته أعظم المصائب لنا ، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم ، والصبر والسلوان والكتم عند المصائب ، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة ، وهي إظهار شكر وفرح بالمولود ، ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره ، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع ، فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته .


* وقد قال ابن رجب في كتاب اللطائف في ذم الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لأجل قتل الحسين : لم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموﺗﻬم مأتما فكيف ممن هو دوﻧﻬم .!
راجع رسالة ( حسن المقصد في بيان المولد – للسيوطي )


* مناقشة وتعليق على كلام  الإمام السيوطي رحمه الله :

ما قاله الإمام السيوطي هو صواب قطعا .. ولكن هذا في حق العوام .. وليس في حق النبي .. لماذا ؟
لأننا لن نجتمع لنلطم الخدود على فراق النبي ..!! بل نجتمع للإهتمام بكل ما يتعلق بالنبي .. سواء مولده أو وفاته أو حياته أو مبعثه ..

* وسوف أشرح لكم المقصد من الكلام ..

فيوم ميلاد النبي هو يوم نور وبركة وخير على البشرية جميعا .. وحياة النبي كلها هداية ورحمة للبشرية .. ووفاة النبي أتبعها كرامة إلهية لأمته .. بدليل ما جاء في الحديث ( حياتي خيرٌ لكم وموتي خيرٌ لكم تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما كان من حسَنٍ حمَدتُ اللهَ عليه وما كان من سيِّءٍ استغفرتُ اللهَ لكم ) ..

وفي رواية ( حياتي خيرٌ لكم ، ووفاتي لكم خيرٌ ، تُحْدِثون فيحدثُ لكم ، فإذا أنا متُّ عُرِضَتْ عليَّ أعمالُكم ، فإن رأيتُ خيرًا حمدتُ اللهَ ، وإن رأيتُ شرًّا استغفرتُ اللهَ لكم ).


*شرح لمعنى ((حياتي خير لكم تحدثون)  : أي توقعون أحداثًا في الأمور توجب لكم عقوبات شرعية وآثاماً أو تحدثون أموراً من أسباب توجب أحكامًا شرعية فيها نجاتكم عن الآثام وإبانة لكم عن كيفية الأحكام وهو المراد بقوله: (ويحدث لكم) مبني للمجهول أي يحدث الله تعالى لكم بواسطته توبة تكفر الذنوب وأحكاما تبين لكم ما تأتونه وما تذرونه )
التنوير شرح الجامع الصغير ج5 ص393


* وكذلك أقول بأن وفاة النبي كانت إعلانا باكتمال منهج الله لقوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) المائدة3 .. لأن النبي ما كان ليتوفاه الله إلا بعد أن يكمل رسالته .. فبوفاته قد علمنا باكتمال المنهج الإلهي يقينا ..


* ففي وفاة النبي نجد ألما لنا لفراقه ونرجو لو شاهدناه ..
ولكن في وفاته أيضا كرامتين :
الأولى : إتمام النعمة الإلهية وإكتمال المنهج الإلهي ..
الثانية : أن موت النبي ما هو إلا انتقال لحياة أخرى لازال يصاحبنا فيها بالدعاء لنا والاستغفار ..


* فأرجو أن يكون الإهتمام بالنبي دائما أبدا .. كما أن الله وملائكته يهتمون بالنبي ويصلون عليه دائما أبدا .. بدليل ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب56
وفي شهر ربيع الأول أرجو أن يكون الإهتمام بالنبي طوال الشهر حتى نتعرف على نبينا صلى الله عليه وسلم ..


* فإذا كان مولد النبي يذكرنا برحمة الله ونعمته علينا بإرسال رحمته لنا .. فموت النبي يذكرنا بكرامة الله عليه حتى في مماته .. ثم ما يتبع ذلك من كرامة في حياته البرزخية .. ثم ما يُنعم به عليه في الحياة الأخرة .. من الشفاعة والمقام المحمود ..


* أما محبة النبي وإظهارها فهي لا تتوقف على وقت دون وقت .. بل هي صفة إلزامية مرتبطة باتباعه طوال حياة المسلم وذلك لمن أراد محبة الله وغفرانه بدليل قوله تعالى ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) آل عمران31


******************************

..:: لماذا يوم ربيع الأول ؟ ::..


* (فائدة) قال ابن الحاج :
فإن قيل : ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام خص مولده الكريم بشهر ربيع الأول ويوم الاثنين، ولم يكن في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر ولا في الأشهر الحرم ولا في ليلة النصف من شعبان ولا في يوم الجمعة وليلتها.

* فالجواب من أربعة أوجه :

الأول: ما ورد في الحديث من أن الله خلق الشجر يوم الاثنين، وفي ذلك تنبيه عظيم، وهو أن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات التي يمتد به بنو آدم ويحيون وتطيب ﺑﻬا نفوسهم .

الثاني: أن في لفظه ربيع إشارة وتفاؤلا حسنًا بالنسبة إلى اشتقاقه، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب .

الثالث: أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها، وشريعته أعدل الشرائع وأسمحها .

الرابع: أن الحكيم سبحانه أراد أن يشرف به الزمان الذي ولد فيه، فلو ولد في الأوقات المتقدم ذكرها لكان قد يتوهم أنه يتشرف ﺑﻬا.
راجع رسالة ( حسن المقصد في عمل المولد للإمام السيوطي )

**********************************

..:: خاتمة البحث ::..


* أيها السادة : من قال أن المولد النبوي هو عيد .. فقد صنع بدعة في الدين  .. وهو ليس عيد .. وإنما مجرد يوم اهتمام بهذا اليوم تكريما لنبينا وشكرا لنعمة الله .. ويتم فيه العمل الصالح وما يحبه الله .. وليس ما يفعله بعض من ينتسبون للتصوف زورا .. فيفعلون في ناديهم المنكر .. وهم يعلمون .. إلا من رحم ربي ..!!


* ومن قال بالإهتمام بهذا اليوم من باب أن له أصل في الدين .. فهو لم يخطأ .. لأن النبي فعل ذلك .. من باب الإعتراف بنعمة الله عليه .. بإيجاده في الوجود .. ولكنه ليس بعيد شرعي مثل عيد الأضحى والفطر ..


* ومن قال بعدم قيام الصحابة بالإهتمام به .. فليس كل فعل مباح أو مستحب قام به الصحابة .. رضي الله عنهم .. وهناك أحاديث ردت اجتهاد الصحابة أنفسهم لمخالفتها صحيح الكتاب والسنة .. فتبقى أقوالهم وافعالهم مجرد محل اجتهاد .. وليس محل عصمة .. ولكن يؤخذ بها عند فقد الدليل لأنهم الأقرب طهارة ونورا في الأخذ عن رسول الله وأنهم خير القرون ..!! وقد شرحت هذا الأمر تحديدا وأثبت اهتمام الصحابة بمولد النبي ولكن باتباع النبي في فعله .. "راجع مناقشة بن تيمية "


* ومن وجهة نظري أيضا أن هذا الإهتمام طالما هو ليس بعيد شرعي .. والجميع يقر بذلك .. فيصبح هذا من الأمور الحسنة طالما يترتب عليها أفعال حسنة وطاعات يرضى بها الشرع .. والتي لا إنكار فيها إلا بدليل من الكتاب والسنة ..!!


* فمن ينكر فعليه بالدليل !! والأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به الدليل من الكتاب والسنة ..
ولكن أن يأتي شخص ويقول اثبت لي أن هذا الأمر حلال .. فهو مخطأ تماما .. !!
لأن الأصل هو تقول للشخص الذي يحرم .. أين الدليل ؟
فالقاضي لا يسأل البريء ويقول له : اثبت لي أنك بريء ..!!
وإنما يقول ذلك للمتهم : اثبت لي أنك بريء .. !!


* أما من ينحرف تحت ستار المولد النبوي مثل المتمصوفين .. فهذا أمره إلى الله .. إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .. ونسأل الله للجميع الهداية ..


* أيها السادة : هذه مسألة لا تحتاج كل هذا الكلام .. ولا تحتاج هذه التفرقة .. ولا تحتاج لأن نتهم علماء الأمة بانهم أهل بدعة وضلالة وأهل النار !! من بعض الطوائف المتمسلفة التي تنتمي للفكر التكفيري وتحقير المسلمين ..!!

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ..
تحياتي لكم


والله أعلم 

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم


هذا الموضوع مصدره - مدونة الروحانيات في الإسلام - ولا يحق لأحد نقل أي موضوع من مواضيع المدونة إلا بإذن من صاحب المدونة - أ/ خالد أبوعوف .. ومن ينقل موضوع من المدونة فعليه بالإشارة إلى مصدر الموضوع وكاتبه الحقيقي . ولا يحق لأحد النسخ أو الطباعة إلا بإذن من صاحب المدونة الأستاذ / خالد أبوعوف .

هناك 119 تعليقًا: